حصريا على صفحات “المقام”

قصة: مولود فرعون

سوقترجمة: العيد دوان


والذين يعرفون كيف يتصرفون، يعرفون كل الطرق المناسبة والتي تسمح بالكذب لإنقاذ ماء الوجه، أو الوعد ثم الانسحاب بليونة دون إثارة الانتباه. بإمكانهم أن يرفعوا من شأن سلع معينة أو يحطوا من قيمتها، بحسب الظروف. ينجحون في لفت الانتباه أو في تنفير المشترين. ولهم أصدقاء يحذرون منهم، ويتلقون النصائح ولا يعملون بها ويحذّرون الكيسين. إنهم رجال! نادرا ما ينخدعون، وإن حدث ذلك، فإنهم يتظاهرون بالنجاح ولا شيء يعكر طمأنينتهم. فالسوق للرجال، وليس للنساء! يجب أن تكون لدينا الجرأة ونعرف كيف نخاطر، كما يجب أن ننظر في الناس، لا نبالي ولا نخاف ونلتزم بالصراحة والأمانة. يجب أن ننقذ وجوهنا.
يقال إن في قديم الزمان، تمكنت النسوة من الاستيلاء على السوق مرة. مرّة واحدة فقط، ودام ذلك سبعة أيام دون أن يعقد خلالها بيع واحد. نتيجة لذلك، تم تشتيتهن جميعا وطردن منه. بعد ذلك، لم يبق لهن سوى الينبوع. فهناك يمكنهن أن يثرثرن ويغيرن من آرائهن كما يحلو لهن أو يعدن ويخلفن ثم يرجعن إلى منازلهن دون أن يخسرن أو يربحن شيئا. أما الرجال، فلا يتزعزعون؛ ينتهي كل شيء على الساعة الرابعة أو الخامسة مساء، ويذهبون إلى منازلهم ومعهم غنائمهم.

هل من الضروري التذكير أن أحسن وأعظم مشترياتنا هي اللحوم؟ نحتاج إلى أموال كثيرة كي نشتري زوجا من الثيران وألبسة للأسرة نقتني مستلزمات الشتاء. واللحم عندنا مظهر من مظاهر البذخ. وهناك من يسمح لنفسه بهذا النوع من البذخ. والآخرون ينزلون مرة على مرّة نحو المجزر. وإذا ما حدث، فذلك يوم عظيم. والقرار لا بد أن يتخذ ليلة السوق بعد حسابات دقيقة، وتكون الزوجة على علم وقد يشركها الأبناء أحيانا. وفي انتظار عودة الأب، يحضرون القدر ويقطفون بضعة حبات من الخرشوف.
والأب يعرف جيدا أن أولاده، سيستقبلونه وسيقولون له:”مرحبا أهلا وسهلا” لأنهم قالوا له في الصباح: “كان الله معك!”؛ صيغتان متلازمتان غنيتان بالمعاني. أي: “في البداية ترافقك تمنياتنا ولكن أثناء العودة، عليك أن تبرهن أنك تستحق حسن استقبالنا“.
في الصباح، كان الله معك. وفي المساء، أهلا وسهلا!” تحد معتاد لرب العائلة.

سابقا، كان الناس يستحيون أن يرجعوا إلى المنزل وأيديهم فارغة وبوجوه مخدوعة. فالرجل يجهد نفسه في السوق وهو يفكر في العودة. أما الآن، فلا أحد يفكر في ذلك؛ لا الرجال ولا النساء. لقد تغيّر الزمان. فعندما يشعر الرجل بالخفقان، ينهي نهاره في إحدى الحانات. يشرب حتى الثمالة فيسكر ويدفع ثمن الشراب لغيره وينفق كل ما في جيبه. يستفز الناس فيضربونه ثم يعود إلى القرية، لا ندري كيف، في منتصف الليل. في هذه الحالة، ما على المرأة إلا السكوت، والأطفال كذلك. لهذا فإن كل الناس متفقون: الحانات ضارة، يستحسن القضاء عليها، حسب الكثير من الناس، ولو أن مبررات الشرب كثيرة.

وقبل أن يدخل رجل عاقل إلى الحانة، عليه أن يتأكد أن أصحابه لم يروه. ثم يخرج منها مثل أي سارق وهو يغطي وجهه ببرنسه. بيد أنه إذا بقي هناك طويلا، فقد ينال منه السكر، ف”يضيع الحياء”. بيد أن أصدقاؤه يتفهمون ظروفه فيغفرون له. فمن الطبيعي إذن أن يتم القضاء على الحانات.

وعن الحانات والمطاعم، يمكن أن نقول الكثير. فنساؤنا التي لم يروها قط، يكرهنها عن قناعة، أما الرجال، فينفرون منها شعورا بروح المسؤولية.

ثم قد يذهب رب العائلة إلى السوق لقضاء حاجاته. وعندما يتأخر، فليس بالضرورة، بسبب الحانة أو المقهى، وإنما قد يكون ذلك بسبب المجزر. فالجزارون هم أكبر المحتالين في التجار. ومن المعروف عندنا، ألا نثق في ابتساماتهم ولا نصدقهم حين يحلفون. بالعكس، يجب أن نحذر منهم. فالسود يعرفون الناس أفضل من البقالين. إنهم ليسوا في حاجة إلى معرفتهم لأنهم يلقفون أسماءهم أثناء مرورهم:

“آه ! نعم، ها هو صديقنا رابح.”

-يا رابح، تعال، اقترب، انظر هذه القطع من لحم البقر، أعني، العجل. انظر هذه الجوهرة. سمينة وطرية. أنت، نعرفك جيدا، تحب اللحم الجيّد وكل شيء جيد. أنت تعرف كيف تأكل أموالك، دعك عن الأشرار يشترون الجيفة ! السعر؟ كما كما تريد يا رجل. سعرك هو سعري. تكلم

وهنا يهرب الفلاح! إنه خائف من هذا الوجه اللزج وهذين العينين اللامعتين وهذا الفم المبتسم. ثم ينقضّ عليه جاره الأسود. حسنا، تراه يبحث عن مساعدة: واحد، اثنان، أربعة، عشرة من الباعة يحيطون بالجزار وينهكونه بالمديح وهم يقللون من قيمة لحمه. يمزحون ويهددون ويصرون ثم، إذا قاوم وأقفل أذنيه أو رد باستخفاف، يغيرون الجزار. هنا أيضا، كما هو الشأن في الساحة، يجب التسلح بكثير من الصبر. إنها قضية عادة. من الناس من يعرفون كيف يختارون الوقت الذي يشترون فيه بأسعار زهيدة.

فمن الجزارين من يتحولون إلى زبائن يسهل صيدهم. منهم من يعرف كيف يتحاشى الخسائر فيقبل أن يبقى لديه عجل كامل بين الذراعين، من أن يستغل مناسبة نادرة فيضيّع بعدها الكثير. وقد يكون الجزارون بلا خلاق، ولكنهم نفسانيون. لهم أن يكسبوا قوتهم طبعا. نعرف ذلك، وهم أيضا، لا يخفون ذلك. ولكن هل تعذر على أحدهم جمع ثروة، ولو قليلة؟

“إنها حرفة تعلم الكثير، قال لي أحدهم. يمكن القول، بكل تواضع، إننا نحن الأقوى. نحن ملوك السوق! وإن الإنسان ليسرّه أن يلتقي مع نده، من الذين يعرفون قيمة السلعة وهو يقاوم مثل الرجال. في بعض الأحيان يأتينا زبون عنيد، يتشبث بسعره ويبقى هنا أمامك. ليس مكرا؛ علينا أن نفهم أنه يتعذر عليه أن يعطي أكثر.

وهنا نرضخ، تعاطفا شيئا ما، ولكن أيضا، بسبب الفائدة القليلة التي قد نجنيها.

“آه، أنا أتفهم جيدا هذا الشيخ الذي يفك عقدة في منديله بأصابعه المعقوفة المرتعدة. فهو ليس بخيلا. لقد استلم مبلغا من المال من ابنه بفرنسا. الأوراق النقدية جديدة: خرج من دار البريد. يودّ أن يحضن الأوراق ولكن أحفاده في انتظاره.

“والعائدون من فرنسا نخصهم باستقبال خاص: فهم لا يساومون. ثم إنهم أصبحوا لا يفرقون بين السلع. ومن الذين يأتوننا عادة، الأعيان والموظفون. هؤلاء يظنون أنهم أذكى من غيرهم، وهذا يجعلنا نتظاهر بالتشبث بهم. هم زبائن، ولكنهم خصومنا في الحقيقة. فلا نتمكن منهم إلا قليلا. وعندما يحدث ذلك يلتزمون الصمت.
أما الملاك الكبار للأراضي، فنادرا ما يأتوننا. لأنهم، من وقت لآخر، يذبحون الجديان في ديارهم. وعندما يشترون اللحم من السوق، نتمكن من بيع كل ما لدينا. وقد يحدث هذا مرة في العام. وهذه الرحابة نجدها أثناء الأفراح ومناسبات الزواج والختان والمواليد. نشارك أصحاب العرس فرحتهم. وعقلية الفلاح ليس من السهل إدراكها لأنه قليل الكلام؛ تراه يمسك إكليلا من اللحم بيد، والأوراق النقدية بيد أخرى ويقف أمامك متوسلا حتى تقبل سعره هو.

“آه ! ما معنى الربح؟ ليس بأيدي القبائل. الربح بيد الله. نحن مؤمنون. كل الجزارين يعانون ولكنهم يرفضون الشكوى. مع العلم أننا فقراء. والدواب نشتريها بالقرض. والناس يقولون كثيرا من السوء عن السود. الله يعلم…”

أحسن وأعظم المشتريات: اللحم، والجزارون ملوك السوق. إنها حقيقة.
في المساء، يأتي القرويون إلى الجامع. ومن خلال تصرفاتهم وطريقة قولهم السلام عليكم”، نستطيع أن نعرف الذين لهم اللحم. كما يمكننا أن نعرف حتى الجيران، لأنهم في ذلك المساء، يظهرون الفرحة والسرور، رجالا ونساء وأطفالا. أما داخل منازلهم، فليس هناك إلا الصمت والهدوء.