حكومة الإصلاحات السياسية والدستورية في الميزان السياسي
6“سلال يُفضل التواجد في الميدان على قصر الدكتور سعدان”
قرارات شجاعة، نتائج ملموسة وتسيير محكم لمرحلة هامة

ح. خميسي/إ.رخيلة

بعد إسدال الستار عن الانتخابات التشريعية الأخيرة للبلاد، انتظر الجزائريون فترة طويلة على غير المعتاد للإفراج عن طاقم سفينة الحكومة الجديدة وكذا ربانها، وقد أخذ الموضوع أشهر عدة اتضح في ما بعد أنها كانت نتيجة رغبة جامحة لدى السلطة في انتقاء الأفضل والأكفأ.

وفي يوم 03 سبتمر 2012، تم اتخاذ قرار بتكليف عبد المالك سلال بتشكيل الحكومة من قبل رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، والذي يقول مراقبون للمشهد السياسي إنه انتقى سلال من بين قائمة طويلة كانت أمامه لاعتبارات عدة، كان أهمها الكفاءة التي أثبتها سلال في تسيير الشأن العام في كل المسؤوليات التي تقلدها في الماضي، كما أن المرحلة اقتضت رجلا من طينة سلال في ظل الوضع الخاص الذي رافق “سوسبانس” تشكيل الحكومة، حيث كانت معظم القطاعات تعيش على الاضطرابات، وهو الشيء الذي دفع بالسلطة إلى دراسة معمقة لواقع مختلف الميادين لاسيما الحساسة منها بغية اختيار الرجل المناسب في المكان المناسب وعدم تكرار أخطاء الماضي التي لم يدفع ثمنها سوى المواطن.
من الأسباب الأخرى التي دعت إلى تأخير إعلان حكومة الجزائر، أن هذه الأخيرة مقبلة على تحديات صعبة في الفترة المقبلة تشمل إصلاحات شاملة جديدة، وقانون مالية جديد، بالإضافة إلى ملف السكن، وأزمة الشغل، وكذا المشاريع الاجتماعية والاقتصادية الكبرى المبرمجة خلال المرحلة المقبلة، فالأسماء الجديدة مجبرة على حل كل هذه الأزمات، والمتابعة اللازمة لمختلف المشاريع التنموية وبالتالي وجب أن تكون كفاءات قادرة على تحمل المسؤولية.
وعلى الصعيد الخارجي أيضا، ونظرا للتطورات الخارجية الحاصلة في المنطقة من الاضطرابات في مالي وفي منطقة الساحل ككل إلى الحساسيات المتزايدة مع الجارة الغربية والقضية الصحراوية، وصولا إلى ما يسمى بالربيع العربي، كل هذه الأحداث دعت إلى الانتقاء الدقيق للأشخاص لا سيما أولئك الذين سيمثلون الجزائر على الصعيد الدولي والذين لابد أن تكون لهم القدرة على تمثيل البلاد أحسن تمثيل وسعيهم لربط علاقات وطيدة مع مختلف البلدان والهيئات الدولية سياسية منها أو اقتصادية أو اجتماعية.
من جهة أخرى، يبدوا أنه في سبيل انتقاء مثالي في تعيين الحكومة الجديدة أخذ رئيس الجمهورية بعين الاعتبار مبدأ تحقيق التوازن بين مختلف القوى السياسية في البلاد، وذلك للاستفادة من خبرة إطارات هذه الأحزاب ومناضليها كما تم تطعيم حكومة سلال بكفاءات من خارج الأحزاب حتى تكون بحق حكومة وحدة وطنية في تركيبتها.

الحكومة تواجه التحديات في ظل غياب التوافق السياسي

واجهت حكومة سلال بعد تشكيلها، عدة تحديات كبيرة، تميزت بانتفاضة أغلب النقابات والقطاعات، وحراك اجتماعي لم تشهده الجزائر من قبل في عدة ولايات بالجنوب، واحتجاجات عمال عقود ما قبل التشغيل، ما جعل الحكومة تتخذ تدابير وإجراءات جديدة ساهمت في إعادة النظر في انشغالات المواطنين، كإصدار تعليمة تضمن تشغيل أبناء منطقة الجنوب، وتعليمة إدماج نصف مليون عامل، وإلغاء فوائد القروض البنكية الموجه للشباب، وأكد سلال بعد تعيينه مباشرة “إنها ليست حكومة ”قطيعة”، بل حكومة ”استمرارية” في تطبيق برنامج الرئيس، أي جاءت لإتمام ما بقي من نسبة الإنجاز عن الحكومة التي سبقتها”.

* زيارات تنموية اقتصادية اجتماعية لعدة ولايات وقرارات شجاعة

من جهة أخرى، جاءت زيارة الوزير الأول لولاية بشار في مارس المنفرط، بعد موجه الاحتجاجات الأخيرة بالمنطقة لتكون من أهم الخرجات على الإطلاق، ففيها تم اتخاذ قرارات من أجل تنمية محلية وتكفل بالمطالب الاجتماعية لسكان الجنوب، ولعل أبرزها في قطاع الصحة عند وقوفه على أشغال إنجاز مركز لمكافحة السرطان بطاقة 140 سريرا المتواجد بشمال مدينة بشار، بالإضافة إلى تسليم عقود الامتياز الفلاحي لعشر مستفيدين على مستوى هذه المستثمرة الفلاحية التي استفادت من دعم من الصندوق الوطني للتنمية و الاستثمار الفلاحي بقيمة 21.7 مليون دج.
وفي إطار تنمية مناطق الجنوب، قامت الوزير الأول وعدة وزراء بتفقد ولاية الاغواط في أوائل ماي الجاري حاملا معه عدة مشاريع تحمل طابعا اقتصاديا واجتماعيا، ودشن عدة مشاريع هامة تتمثل في قطاعات الصحة والسكن والفلاحة والصناعة والأشغال العمومية والتكوين، كتشغيل مصنع الآجر بمنطقة المريغة عند المدخل الشمالي لمدينة الأغواط، وإنشاء مستثمرات جديدة لتربية الحيوانات وممارسة النشاط الفلاحي.
وفي زيارته لولاية وهران، أعطى الوزير الأول إشارة الانطلاق لإنجاز عدد كبير من المشاريع التنموية عبر أرجاء الولاية أبرزها انجاز “عدل” لـ 150 ألف وحدة سكنية، وإنشاء مصنع “رونو” الجزائر، بالإضافة إلى القطب الاقتصادي الجديد بتليلات الذي بدأ بـمصنع ضخم للحديد بالشراكة مع الأتراك.

* الحكومة تلغي فوائد القروض البنكية

وفي منتصف الشهر الجاري، أعلن الوزير الأول عبد المالك سلال، عن إجراءات جديدة لصالح الشباب البطال الراغب في إقامة مشاريع استثمارية عبر إحدى آليات التشغيل، وألغى نسبة الفائدة المفروضة على القروض الموجهة لتمويل مشاريع “أونساج” و”كناك” بصفة نهائية، الذي شمل كل مناطق الوطن بعد أن كان خاصا بالجنوب والهضاب العليا، وذلك ضمن مشروع قانون المالية التكميلي للسنة الجارية، كخطوة تحفيزية للشباب أصحاب المشاريع ستدخل حيز التطبيق بداية سبتمبر القادم، يأتي قرار الحكومة لإلغاء القروض الربوية بعد مطالب الساحة السياسية والجماهيرية، والذي لقي استحسان في وسط الشباب بعد تعميم القرار على المستوى الوطني واعتبر أفضل هدية حكومية لشباب.

* تسهيلات بنكية استثنائية

بعد تعيين رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، لعبد المالك سلال على رأس الحكومة خلفا لأحمد أويحي، أجمع مختلف رؤساء منظمات أرباب العمل على التغيرات التي طرأت على الساحة الاقتصادية والاجتماعية بعد تسهيل قروض الاستثمار، وتسهيل فتح حسابات بنكية، وكذا تخفيض نسب فوائد القروض البنكية إلى أقل من 7 من المائة، كما قام الوزير الأول بإجراءات هامة كتلك التي تتمثل في خوصصة المؤسسات العمومية مع إعطاء الأولوية للقطاع الخاص.

* الحكومة تتخلى عن المركز الوطني للمساعدة على اتخاذ القرار

وفي خطوة استثنائية أخرى، قرّر الوزير الأول، عبد المالك سلال، التخلي عن المركز الوطني للمساعدة على اتخاذ القرار الذي أنشأته الحكومة في عهد وزير الداخلية الأسبق نور الدين يزيد زرهوني كهيئة استشارية تساعد الحكومة على تسيير الأزمات والكوارث والوقاية منها (بعد كارثتين طبيعيتين، فيضانات نوفمبر 2001 وزلزال ماي 2003)، وتم وضع جميع الوسائل المادية والمستخدمين الموضوعين تحت تصرّف المركز العملي الوطني للمساعدة على القرار تحت تصرّف الإدارة المركزية لوزارة الداخلية والجماعات المحلية، على أن يكون هناك إعادة تخصيص للأملاك المادية للمركز التي سوف تخضع لعملية جرد.
وفي ضل حالة الحراك الاجتماعي والتقلبات التي تشهدها أغلب القطاعات، لا تزال الحكومة بقيادة الوزير الأول تسعى إلى تحسين مختلف خدمات القطاعات وأهم ملف ينتظرها هو تسيير الامتحانات المصيرية في قطاع التربية خصوصا شهادة البكالوريا المزمع إجراؤها بعد أيام قليلة.