جزائريون يحلمون بسجن “خمس نجوم” لزراعة الأسنان والهروب من الميزرية !

“السجون في الجزائر تحولت الى فنادق وشجعت الشباب على ارتكاب الجرائم”

أزيد من 32 قضية أبطالها أشخاص سلموا أنفسهم للأمن هروبا من الفقر

 

نضرب البوليس، نشري الكيف، نرفد المُوس … هكذا فضل الشباب الجزائريون توريط أنفسهم في قضايا الاعتداء على الأمن وجنح استهلاك المخدرات وحمل السلاح الأبيض، في سبيل دخولهم سجون فنادق خمس نجوم وتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه خارجا، حيث أصبح هذا الأخير وسيلتهم الوحيدة وأملهم في الحصول على عيشة “كيما الناس”..  العلاج باطل والماكلة باللُحم.

 

“سيدي القاضي المعيشة في السيلون ولا الميزرية” 

 

مؤسسات عقابية حولت الى  متاحف ومنشات تاريخية، وعوضت بسجون حديثة تتماشى وأرقى المعايير والمقاييس العالمية، وذلك على خلفية تقارير المنظمات الدولية لحقوق الإنسان التي كانت تصور الظروف المزرية للنزلاء الجزائريين، هو ما جعل الحكومة الجزائرية تتخذ إجراءات جديدة في تشييد مؤسسات عقابية عملاقة وفخمة بأرقى التجهيزات تتربع على مساحات كبيرة ليجد النزلاء بالجيل الحالي أنفسهم وكأنهم بفنادق خمس سجون وهي الصورة التي روج لها العديد من  ناهيك عن فضاءات الترفيه التي توفرها السجون على غرار قاعات الرياضة والملاعب الرياضية ومكتبات، ناهيك عن المرافق الصحية التي توفر للسجين حق الفحوصات الدورية  وإجراء التحليل الطبية وحتى تجميل الأسنان.

 

  نبات في السيلون ولا نعيش في الميزيرية

 

عندما تتحول السجون الى فنادق خمس نجوم، في ظل الظروف التي يعيشها البطالون والزوالية والمعذبون في الأرض  “المشردين”، ناهيك عن ضحايا الإغتصاب والطلاق، الذين وجدوا أنفسهم مضطرين  الى ارتكاب جرائم بسيطة في سبيل الحصول على “وجبة ساخنة” وفراش دافئ يضمن لهم العيش الكريم، “المقام” جمعت لكم شهادات حية لأشخاص فضلوا دخول السجن على العيش في حرية بائسة .

نبات في السيلون ولا نعيش في الميزيرية..هكذا برر أحد المسبوقين جريمته أمام القاضي وعن سبب سرقته إحدى المحلات التجارية، حيث لم يجد من وسيلة للهروب من شبح البطالة والفقر سوى الاستنجاد الى القضبان الحديدية علها تنسيه المشاكل الإجتماعية وتوفر له الراحة والاحتماء من العبارات الدونية  التي توجها له عائلته.

السركاجي ولا الزواج

أجبرته والدته على الزواج بابنة خالته، ليقدم على حمل السكين والتوجه الى المصالح الأمنية، هو ما وقع بحي بلكور بعد نشوب عراك حاد بين عائلة الشاب الذين حاولوا اقناعه بالزواج من ابنة خالته، بعد تم تحديد موعد الخطوبة، إلا أن هذا الأخير رفض ذلك بشدة، غير ان والدته تمسكت بقرارها، هو ما دفعه الى حمل “البوشية” والتوجه الى أقرب مركز أمن.

القضبان الحديدية للاحتماء من الميزيرية والدين

كما استقبلت المصالح الضبطية القضائية على مستوى دائرة بوزريعة،  شاب في الثلاثينيات أقدم على تسليم نفسه وبحوزته 10 غرام من المخدرات من نوع “كوكايين”، إلا أنه وخلال جلسة المحاكمة تبين انه ليس مدمنا وظروفه العائلية والإجتماعية دفعته الى ذلك. فبعد أن اغرقته الديون ووجد نفسه تحت تهديد  القتل من طرف المستدينين قرر حمل السلاح الأبيض وتسليم نفس الى الامن، طالبا منهم إدخاله السجن، بسبب عجزه عن تسديد الدين، والظاهر أن القضبان الحديدية ستوفر له الحماية والسبيل الوحيد للهروب من تهديداتهم.

الحبس ولا الضيق

لم تكتمل فرحة “أمين” بدخوله القفص الذهبي ليصطدم بخبر دخول شقيقه السجن، وكالنت المفاجأة حين اكتشف انه سلم نفسه للأمن طالبا منهم زجه بين القضبان بعد إقدامه على سب عون الأمن، والسبب هو أن منزلهم العائلي ضيق ولا يتسع لسبعة أفراد.

 

 

دخل “فرماش” وخرج بطاقم أسنان بـ7  ملايين

يسرقون ..يتعاطون  المخدرات ويسببون الفوضى …هؤلاء يستفيدون من المتابعة الطبية طيلة مكوثهم في السجن تحت إشراف أطباء مؤهلين ومتخصصين يضمنون لهم العلاج المجاني وعيادات مجهزة بجميع الوسائل الحديثة، بعد رفض المؤسسات الاستشفائية استقبالهم، يلجؤون الى الممنوعات لإجراء عملية جراحية أو الحصول على طاقم أسنان.

“سمير” الذي حصل على طاقم أسنان جميلة بعد ارتكابه جنحة تعاطي المخدرات، هذا الأخير الذي عمد على حمل 6 حبات بجيبه وتناولها أمام مرأى الأمن، ليتم تحويله السجن، وخلال مكوثه هناك تمكن من تركيب طاقم أسنان رائعة لطالما كان يحمل في الحصول عليه، غير أن أوضاعه المادية لم تسمح له بذلك، إلا أن أحد رفقائه أخبره أن السجن سيحقق له حلمه فما عليه سوى ارتكاب جريمة بسيطة للحصول على طاقم أسنان بـ7 الاف دينار.

تسرق حقيبة ممرضة لتحقيق حلم إجرء عملية جراحية

بعد أن صُدت كل الأبواب بوجهها في أجل إجراء عملية جراحية مستعجلة على مستوى الكلى، اضطرت الى إرتكاب جرم “السرقة” ودخول السجن لتحقيق حلمها، بما أن التكفل الطبي حق لكل سجينة، وهو مجاني، “ربيعة” 48 سنة تروي معاناتها الطويلة مع المرض تقول:” كل يوم أتوجه الى المستشفى وألح على الأطباء اجراء العملية لكن لا حياة لمن تنادي فهؤلاء يتكبرون على “الزوالي” والعملية الجراحية بـ”الوجوه”، واخر محاولة لي كانت قبل دخولي قاعة الجراحة، بعد أن منحوني موعدا انتظرته لمدة سنتين، لاُصدم في الأخير ان مريضا آخر أخد مكاني وعلي الانتظار الى موعد غير مسمى، في تلك اللحظة شعرت بسخط جديد ولم أتمالك نفسي لأفكر بعدها في سرقة حقيبة ممرضة من أجل  دخول السجن على العيش في الذل والحمد لله ان السجن كان فرصة لي للاستفادة من العملية الجراحية والعلاج، حيث وبعد قضائي سنة تقريبا عدت الى عائلتي وأنا بصحة جيدة.

المختصة فيعلم الإجتماع :”السجن صار يمثل مكانا لإسترجاع الشرف والكرامة لدى الشباب

أوضحت الأخصائية الإجتماعية، نبيلة ولداش، في حديثها مع “المقام” أن المؤسسات العقابية أصبحت اليوم ملجا وفنادق للشباب البطال، بعد أن كان في وقت سابق مكانا ينبذه الكثير، إلا أنه في السنوات الأخيرة شهدت الجزائر  ظاهرة غريبة انتشرت في أوساط المجتمع على حد قولها، حيث أصبح السجن مكانا لاسترجاع الشرف والكرامة التي  فقدها خارجا.  والسبيل الوحيد الذي يلجا اليها للهروب من المشاكل والضغوطات، وهي المرحلة الاخيرة التي يصل اليها هذا الشباب، نظرا للرفاهية التي تمنحها المؤسسات العقابية، مما شجع الشباب على احتراف الجريمة.

 

 المحامي دحو عبد الله:”32 قضية أبطالها أشخاص سلموا أنفسهم للأمن هربا من الفقر”

من جهته كشف المحامي المعتمد لدى وزارة العدل، دحو عبد الله، في اتصال هاتفي لـ”المقام” أن محاكم العاصمة سجلت خلال سنة 2015 أزيد من 32 قضية أبطالها أشخاص حملوا السلاح وتعاطوا المخدرات بمحض إرادتهم هربا من الظروف الاجتماعية الصعبة، عدا عن المسبوقين قضائيا الذين يفضلون العودة الى القضبان، مشيرا إلى أن الجهود الجزائر في تشييد مؤسسات عقابية جعلت الشباب يحلمون بدخول السجن.