بعد مرور 168 سنة على ارتكابها

Sans titre-1روبورتاج: محمد.ع

 عمل المستعمر الفرنسي وعلى مدى أزيد من قرن و نيف من الزمن، من احتلاله للجزائر على ارتكاب مجازر راح ضحيتها الملايين و صنفت ضمن أبشع الجرائم التي مرت على العنصر البشري لما فيها من وحشية لا تبررها أية أسباب وما احتوتها من تدني مشين في الأخلاق هبطت بالإنسانية إلى أدنى مراتبها، ولعل ما يعرف بمجزرة الفراشيح، التي ارتكبها المستعمر الفرنسي عام 1845 في حق قبيلة ولاد رياح شرق مستغانم، هي من تلك الدلائل التي تميز لادينية ولاعرقية ولا إنسانية مرتكبيها. “المقام”، زارت المغارة التي ارتكبت فيها المحرقة وحاولت أن تضع يدها على الجرح الذي نزف طويلا بعد مرور أزيد من 168 عاما عليها.

 الطريق إلى مغارة الفراشيح

 كانت طريقنا إلى مستغانم عبر الطرق الساحلية التي تؤدي إليها تدلل بوضوح على خيرات هذه الأرض الطيبة و جمالها الذي طبعه الإله، كما توضح بكل جلاء كيف كان لها أن تكون ضمن أطماع استعمارية منذ القدم، فهي التي برزت لها أنياب الرومان والوندال والاسبان وكان آخرهم من حاول الفتك بها، الفرنسيين الذين كان استعمارهم لهذه الأرض أبشع ما يكون من الاستعمار.

تقع مغارة الفراشيح، في بلدية تبعد عن مستغانم المدينة بحوالي 80 كيلومترا، اسمها بلدية النقمارية، التي كانت محطتنا الأقرب للتوجه للمغارة التي لا تبعد عنها كثيرا. هناك وقفنا على دلائل لما حدث من بشاعة المستعمر وتعرفنا عن قرب عما عاشه هؤلاء من مجازر رهيبة ارتكبت في حقهم وحق ذويهم.

   الروبورتاج القصير الذي أجريناه حول هذه المغارة التي تحمل ذاكرة محرقة جماعية ارتكبت هناك، هو غيض من فيض من بحر الجرائم التي ارتكبتها فرنسا الاستعمارية إبان سنوات الاحتلال. أردنا أن نسترجع به ذكرى أليمة حدثت، وحتى نضعها في الصورة ونوضحها أكثر للقارئ ونكتشف بعض الشواهد على بشاعتها ولا إنسانية مرتكبيها.

   مغارة الفراشيح كانت وجهتنا،  في طريقنا إلى هناك رافقنا أحد مجاهدي المنطقة المدعو “الحاج محمد الكبير” الذي ورغم كبر سنه حدثنا عن شواهد تاريخية لهذه المنطقة الصغيرة التي عايشت ويلات الاستعمار يقول الحاج وارتكبت فيها هذه المجزرة الشنيعة..

 منطقة الظهرة.. اسم وتاريخ

  النقمارية (النكمارية) البلدية الضاربة في أعماق التاريخ، أول ما يلفت انتباهك وأنت تدخل هذه البلدية تلك الجبال الشامخة والتي تحمل اسم “جبال الظهرة”، التي تغطيها غابات كثيفة، وتلك الطرقات الوعرة التي تؤدي إلى “مغارة الفراشيح”، معها تدرك أن هذه الجبال احتوت العديد من المعارك التي خاضها المجاهدون ضد الجيش الاستعماري الفرنسي خلال الثورة التحريرية المضفرة على غرار معركتا “بالي” و “يازرو” التي وقعتا على الحدود الشمالية مع هذه البلدية والتي استشهد فيها أكثر من 12 شهيدا، هذه الجبال كانت سندا حقيقيا للمجاهدين قبل وأثناء الثورة التحريرية.

 “المغارة” كانت ملاذ آمنا للمجاهدين ، قبل وأثناء

  من النكمارية توجهنا قبلا إلى المغارة التي أقيم بجانبها نصب تذكاري مخلّد لمن راحوا ضحية المحرقة البشعة،  نزلنا إلى المغارة لنعاينها عن قرب وهي تقع بين سفحي جبلين على ارتفاع كبير ولها عدة مداخل سواء عبر الجبال أوعبرالطريق الرئيسي المؤدي إليها عبر مدرج صنع حديثا، اخترنا أن ننزل إلى هناك عبر طريق الجبل ذي الغابات الكثيفة حتى نكون شاهدين على وعورة التضاريس ونسترجع البعض القليل من تلك المعاناة التي عاناها المجاهدون الأبرار أثناء الحقبة التاريخية الاستعمارية..

  لدى محاولتنا الدخول إلى المغارة أبى علينا مرافقنا أن نتوغل كثيرا بها بسبب ما تشهده اليوم من عملية للتحقيق فيما وجد بها من عظام قبل فترة. والتي  بعد مرور 168 سنة لازالت عضام من ماتوا في المحرقة متواجدة هناك.

وأنت على عتبة مدخل المغارة تظهر لك أجزاء كبيرة لطبقات كلسية ذات بقع سوداء لشدة لهيب النار تلتصق بجدرانها، كما أنها تتميز بظلام دامس ورطوبة عالية.

   “غار الفراشيح” كما يقول محدثنا المجاهد محمد الكبير كان ملاذا آمنا للجنود جيش التحرير الوطني، حيث كانوا يفرون إليه ويختبئون فيه أيام قيامهم بشن هجمات على الثكنات الاستعمارية التي كانت تتواجد في الكثير من المناطق السكانية الجاورة، علق مرافقنا بالقول “.. الجنود كانوا يأتون الى هذه المغارة لوضع خطط جديدة للحرب و تقسيم المهام وكذا للاستراحة وبعدها مباشرة معاركهم ضد المحتل” وحتى قبل ثورة نوفمبر المجيدة ، حين قام القائد “بومعزة” (أحد قواد منطقة الظهرة خلال عهد المقاومات الشعبية) بتعبئة الجماهير لنصرة ثورة الأمير عبد القادر في منطقة الظهرة تحديدا أدى ذلك الى تضاعف الجيش الفرنسي الذي أرغم السكان الى النزوح الى المغارات المعروفة وكانت “مغارة الفراشيح” من بين تلك المغارات التي دفع إليها السكان دفعا للاحتماء بها.

 السفاحين “بيجو” و “بيليسيه” يحرقان المحتمين أحياءا في المغارة

    الجنرال السفاح “بيجو” (15 أكتوبر 1784 ) ولد بباريس واشتهر بسياسة الحرق والقهر والعنف والإبادة الجماعية والتهجير والنفي في إطار الحرب الشاملة التي مارسها تجاه الجزائريين وإصدار الأوامرالتي تتيح الحرق وارتكاب المجازر الجماعية وتسليط العقوبات الردعية، كما أنه عرف بإصدار الأوامرالتي تبيح للجيش الحرق الجماعي للسكان، على غرار الكولونيل “بيليسي”، “سنات أرنو” ،”كافينياك” وقائمة هؤلاء المجرمين طويلة الذين انتهجوا سياسة الأرض المحروقة.

   المجرم “بيجو” أمر ذات يوم من تاريخ 18 و 19 جوان 1845 العقيد المجرم “بيليسيه” بتنفيذ أمر الحرق داخل المغارة التي لجأ إليها أهالي “أولاد ارياح” بالنقمارية إلى المغارة هروبا من جحيم الاستعمار و الظروف المأساوية انذاك وحملة الطرد الجماعي الذي قام بها السفاح العقيد “بيليسيه” عنوة رفقة حيواناتهم وأمتعتهم، تقدم السفاح “بيليسيه” رفقة جنوده إلى المغارة وحدثت مقاومة كبيرة مع المجاهدين الذين كانوا بداخل المغارة في اليوم الأول وبعد أن يأس المجرم “بيليسيه” من إخراجهم عنوة قام برش مدخل المغارة بالكبريت ثم الحرق المباشر وبدون رأفة أو رحمة ثم أمر بغلق المغارة وجمع الحطب وإشعال النيران أمام مدخلها وأمر بعدها جنوده بالحراسة الشديدة حتى لا يفر أي من بداخلها إلى خارجها فإما “الموت حرقا أو خنقا”، ومن السكان هم من وجد بعد مجزرة الحرق هذه معانقا لأمتعته كي يحتمي بها من لهيب النيران التي كانت تأكل أجسادهم لمدة يومين كاملين. وحسب بعض الروايات التاريخية حول المجزرة فإن عدد الشهداء بها تعدى 1200 شهيد رجالا ونساءا أطفالا وشبابا ولم يسلم في ذلك حتى الحيوانات.

في شهاداتهم.. جنرالات فرنسا كانوا يتلذذون بمجازر الحرق

   السياسة الإجرامية الاستعمارية الفرنسية ومن ضمنها مجازر الحرق والإبادة الجماعية سلطت في غالب الأحيان على سكان القرى والمداشر حيث كان جنرالات فرنسا يأمرون جنودهم بالتدخل الهمجي على القاطنين في بيوت الأكواخ والقصدير لنهب ممتلكاتهم البسيطة بالقوة من غذاء وأفرشة وأرزاقهم كالأغنام والأبقار… وقد صرح الجنرال “سانت أرنو” وهو أحد معاوني الجنرال “بيجو” قائلا : “… لقد كانت حملتنا في الجزائر حملة تدميرية أكثر منها عملا عسكريا ونحن اليوم وسط الجبال لا نطلق الا القليل من الرصاص وإنما نمضي وقتنا في حرق الأكواخ والقرى وأن العدو يفر أمامنا سائقا أمامه قطعان غنمه” ، أما وزير الحرب الفرنسي آنذاك فقد صرح “.. إن المجازر والحرائق هي في تقديري الوسائل الوحيدة لتركيز هيمتنا” وبهذا كان هؤلاء الجنرالات رفقة جنودهم يتلذذون بجرائمهم ومجازرهم البشعة التي يعجز اللسان عن التعبير عنها لما فيها من بشاعة.

  وعن واقعة الإبادة بالحرق “الفراشيح” قال فيها السفاح “بيليسيه” سنة 1845 بعد الانتقادات التي وجهت إليه في البرلمان الفرنسي وكاعتراف منه : “… حياة جندي فرنسي واحد تساوي حياة جميع هؤلاء البؤساء…”.

 ضرورة البحث و التنقيب عن الآثار لـ”مجزرة الفراشيح”

قبل فترة ليست بعيدة وجدت بعض العضام البشرية داخل الغار وهو ما قد يفيد في التحقيق في هذه الجريمة البشعة، ولربما من الأمور المساعدة لذلك الزيارة التي قام بها مؤخرا وزير المجاهدين محمد الشريف عباس إلى المغارة بمناسبة إحياء ذكرى حوادث الثامن ماي 45، أين أكد على ضرورة العمل من أجل التحقيق فيما حدث هنا، والعمل على استرجاع ذاكرة من فقدوا ومن راحوا ضحية الغطرسة الاستعمارية.

قضينا فترة في المغارة ونحن نحاول أن نستجمع صورا من خيالاتنا عن واقعة الحرق، مشهد قد لا يستطيع أي كان أن يتصوره، البعض القليل منه قد يدمي العقل والقلب معا. قبل أن نعود من هناك وكلنا عزم على أن لا نمر مرورالكرام على هذه المحطة التاريخية العريقة التي شهدتها بلدية النكمارية مدججين بضرورة تكاتف أيدي الجميع والاعتماد على الدراسات التاريخية وأعمال البحث الحديثة والتنقيب، ودعوة الباحثين إلى كشف خيوط الجريمة الاستعمارية “محرقة الظهرة” في هذا الوقت بالذات فمن شأنها اكتشاف أسرار وشواهد وآثارالحرق الجديدة على هذه المجزرة التي ارتكبت في حق الانسانية و في حق الشهداء، كما أننا نحتاج الى بذل جهد كبير من أجل نفض الغبار على هذه المحطة التاريخية التي تبقى وصمة عار على جبين فرنسا الحديثة التي تختلق الأعذار للاكتفاء بالصمت وعدم الاعتذار للجزائريين على المجازر المرتكبة على اختلاف أنواعها ، كما أننا نحتاج الى تحقيق تاريخي مدعم من طرف السلطات حول هذه المجزرة و مجازرأخرى خيم عليها الصمت. فخمسون سنة على الاستقلال لم تشفي غليل الجزائريين على نسيان المجازرالتي ارتكبت في حق آبائهم و أجدادهم، و أهالي منطقة الظهرة “اولاد ارياح”، يستيقظون يوميا على صيحات أجدادهم يصرخون في “مغارة الفراشيح”.