أوساخ، روائح كريهة، تعفنات،.. ديكور العاصمة اليوم

 

DSC00133لزال المواطن الجزائري يعاني  من ظاهرة الانتشار الواسع للقمامات التي تبعث الاشمئزاز والتقزز في النفوس، برك المياه المتعفنة، أكوام الأوساخ، الأكياس البلاستيكية والأوراق المتناثرة هنا وهناك وفي كل الأوقات، في الأحياء، الشوارع، الأزقة، الأرصفة والطرقات مما جعل حركة السير تعاق في أغلب الأحيان.

 

إعداد: نجاة دودان

أصبحت أماكن رمي القمامة ملجأ للقطط والكلاب الضالة التي تبعثر هذه القاذورات في كل مكان مما ساهم بشكل كبير في انتشار وتكاثر الحشرات والقوارض، ويزداد الأمر سوءا مع اقتراب حلول فصل الصيف وارتفاع درجة الحرارة بسبب تخمر النفايات وإصدارها روائح نتنة تعطر بها الشوارع ليلا نهارا، مما جعل السكان يواجهون مخاطر صحية وبيئية خطيرة جراء الانتشار العشوائي لهذه النفايات، حالة أخرى من الفوضى والإهمال نجدها أمام الأسواق الفوضوية والمحلات التجارية والتي شوّهت واجهات البنايات والمساجد المحاذية لها نتيجة الرمي العشوائي للفضلات والنفايات من طرف الباعة بشكل يومي أو قيام المواطنين بالتخلص منها عن طريق الحرق، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعدى إلى أماكن الترفيه، كالحدائق العامة والمنتزهات والشواطئ بسبب إهمال روادها في المحافظة على نظافة المحيط،  كل هذه السلوكيات الجائرة بحق بيئتنا تدق بشدة ناقوس الخطر على صحة الإنسان وحياته.

ما جعل “المقام”، تقوم بخطوة للبحث في الموضوع وكانت بدايتنا إتصال أجريناه  بـ”أمالو بلقاسم” مختص في علم البيلوجيا، حيث  صرح لنا قائلا: “أن لهذه الظاهرة تأثيرا مخيفا على المحيط وعلى صحة الإنسان الذي تأقلم معها متجاهلا خطورتها، كحرق القمامات وما تحويه من أكياس بلاستيكية وقطع من الحديد والنحاس، مما يجعل الإنسان يستنشق دخانها السام فيؤدي بالأطفال وكبار السن للإصابة بأمراض تنفسية كونهم أكثر الفئات عرضة لها، كما أن أكوام القمامة تشجع على تكاثر البكتريا والجراثيم والفيروسات بمختلف أنواعها، مما يؤدى إلي انتشار الأمراض وتفشي الأوبئة الفتاكة خاصة إذا ما اقترنت بمياه الشرب أو السقي فتعمل على تلوثها، وبالتالي تتسبب في الإصابة بأمراض معدية ومميتة كالسل، الكوليرا، التفوئيد والبلهارسيا، بالإضافة إلى التعرّض لمختلف أنواع الحساسية التي تصيب الجلد والبشرة.

المواطن هو المسؤول الأول عما يحدث

لم يعد المواطن يبالي أو يكترث لوجود القمامة أو الأوساخ في محيطه، المهم “تخطي راسو” كما يقال تصرفات غير مسؤولة وغير لبقة من طرف المواطنين،  فهناك من جعل بعض الساحات مزبلة عمومية للتخلص من النفايات المنزلية في كل وقت، وبعد انقضاء ساعات مرور شاحنات النظافة، متجاهلين المدة التي حددتها مصالح البلدية لرفع القاذورات، كذلك هناك من يقوم برمي أكياس القمامات من شرفات المنازل إلى الطريق دون الاكتراث بتمزق كيس القمامة حتى لو تسبب هذا في كوارث.

وفي ذات السياق، تقول ثورية تيجاني أستاذة علم الاجتماع في جامعة بوزريعة، أن ظاهرة رمي النفايات في الشوارع والمرافق العامة هي سلوك مألوف في مجتمعنا العربي، غير حضاري ومنافي وبعيد كل البعد عن تعاليم ديننا الحنيف رغم أن النظافة من السلوكيات الإيمانية التي يجب أن تكون من سماتنا، وفي كل مجالات الحياة والعادات اليومية، في العمل، المدرسة، الشارع والمنزل، وترجع ذات المتحدثة أسباب انتشار هذه الظاهرة إلى عادات وسلوك تربى ونشأ عليها الطفل منذ الصغر إذ عدم التوعية من طرف الأسرة والمدرسة التي تقدم له مبادئ سطحية عن النظافة والنهي عن رمي المخلفات في الأماكن العامة، أيضا الأسرة أنشأته فاقدا للرقابة الذاتية من أجل التصرف السليم محملة المسؤولية على مؤسسة الدولة باعتبارها قدوة للشعب فهي كما تقول مقصرة في توعيته بغياب المراقبة، ما يجعلها تتحمل مسؤولية انعدام النظافة في الشوارع وتؤكد ذات المتحدثة: “أن كل هذا يرجع إلى العمل غير المنتظم والمداومة غير اليومية لتنظيف الأحياء والشوارع، فرغم قيام عمال النظافة بعملية جمع النفايات إلا أن ذلك لا يتم بشكل كلي أو مستمر فالنظافة والتنظيم أمران مشتركان بين الحكومة والمواطن وكل طرف منهما يكمل دور الأخر في الحفاظ على نظافة الأماكن، لذلك يجب على الدولة أن تحث على التطبيق باتخاذ أجرأت صارمة وردعية والامتثال للقوانين وتطبيقها بإلزامهم بدفع غرامة مالية”.

حملات تنظيفية وضمائر حية

 
وفي المقابل، لا يزال هناك ضمائر واعية من طرف بعض المواطنين والجمعيات التي أطلقت آلاف المبادرات والتي تهدف إلى نشر ثقافة المحافظة على نظافة المحيط وتحقيق المنفعة العامة لإخراج المواطن الجزائري من دائرة اللامبالاة، وانعدام الوعي بمخاطر هذه الظاهرة وتوعيته بتفاقم المشكلة وبضرورة تنظيف الأحياء والشوارع، التي لا تنحصر فقط عند مهام البلدية حيث انطلقت السبت الفارط حملة تنظيف بحي عليوة فضيل بالشراقة، بالتعاون مع مؤسسات وجمعيات والمسؤولين عن الأحياء كما شارك في الحملة بعض أعضاء المجلس الشعبي البلدي للمدينة، وممثلي جمعية الحي وجمعية أولياء التلاميذ لمدرسة قدور شعلال بمقاطعة الشراقة، حيث وضعت البلدية كافة الإمكانيات لهذه الحملة، حيث رددت” جومي منيرة” إحدى الأعضاء المشاركين في الحملة، أن الوضع بات يستلزم وقفة قوية من قبل الجميع أين تم عقد اجتماع بين أعضاء الجمعية ونائب رئيس البلدية ومسؤول قسم النظافة ورئيس البلدية الذي أعطى الموافقة بتقديم الإمكانيات اللازمة للمواطنين، والمتمثلة في تجهيز 12 شاحنة لشحن النفايات بمساهمة السلطات المحلية للمدينة وبعض المؤسسات، وكان من المفروض أن تتم العملية ابتدءا من ملعب الشراقة الرياضي إلى حي عليوة فضيل، لكن غياب السكان عن هذه الحملة حال دون القيام بذلك، كما أبدى المشاركون في هذه الحملة استياءهم من هذا الأمر رغم حرص عضو الجمعية على نشر قصاصات تعليمية في جميع أركان الحي، مما دل على عدم مبالاة أهل الحي، وصرح لنا أحد المشاركين قائلا: “لقد زوّدت البلدية المدينة بأكثر من 2000 حاوية نفايات غير أنه لم يتم استعمالها كثيرا فقد بيعت من طرف بعض الأشخاص” مضيفا أن “يد واحدة ما تصفق”، وأن البلدية لا تستطيع الحفاظ على نظافة الأحياء والشوارع دون التعاون مع المواطنين، هذا ما جعلنا نسأل بعض سكان الحي لنستفسر عن أمر غيابهم، فكانت إجابتهم واحدة بعدم علمهم بهذه الحملة بتاتا، لتنحصر حول محيط المدرسة وتطهيرها من الأتربة والأعشاب والأوساخ المهددة لحياة وصحة التلاميذ، وخلال تواجدنا بالحي شاهدنا أطفالا صغارا منهمكين في تنظيف وجمع النفايات بالتنظيف وجاء تطوعهم هذا بأمر من عمي جميل الذي يقطن هناك منذ ما يقارب العشر سنوات، حيث قام بهذه المبادرة بإمكانتياته الخاصة والمذهل أنه جعل من ساحة البناية التي يسكنها روضة مليئة بمختلف الزهور والورود وشيد ملعبا صغيرا لأطفال الحي للعب كرة القدم خلال العطل، كمكافأة لهم نضير قيامهم بتنظيف الحي من الأوساخ والحشائش والنبتات الشوكية، اقتربنا من “عمي جميل” الذي رحب بنا كثيرا وقال إنه من الضروري توعية الأطفال منذ صغرهم فالمسألة مسألة ثقافة وسلوك لا أكثر، انعدمت في تصرفات الأهالي فهم يتهاونون كثيرا في تنظيف المحيط، داعيا إلى التكاتف للمحافظة على البيئة والاستمرار في ذلك وعدم التخلي عن هذا العمل النبيل، ولم يقتصر الأمر هنا، بل تعدت المبادرات إلى إطلاق حملات توعية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال شباب ناشطين في الفيس بوك ومن بين هؤلاء شباب مجموعة muslim.dz
اللذين قاموا الجمعة الماضية بتنظيف إحدى المقابر بالعاصمة من القمامات والأعشاب والحشائش، التي غطت المقابر نتيجة الإهمال لفسح وتسهيل مرور الزوار داخلها معتمدين على وسائل بسيطة، وحسب ما ذكره لنا أمين أحد المشرفين على هذه العملية التطوعية muslim.dz  فإن شباب سبق لهم وأن قاموا بالعديد من المبادرات ولا يزال لديهم أفكار يطمحون إلى تطبيقها، تتمثل في وضع ملصقات ومطويات داخل المقابر لتوعية المواطنين بضرورة تنظيف المقبرة، التي تعد موقع للخلود والبعث يوم الحساب.