مواعيد العلاج بالأشعة مبرمجة لسنة 2015 

 

 

مركز230 مليار سنتيم لم تمكن من تطويق الداء

أصبح داء السرطان في الجزائر، من الأمراض الخطيرة الواجب التوقف عندها وتسليط الضوء عليها، هذا المرض الذي كان الجزائري بالأمس القريب لا يتجرأ حتى على ذكر اسمه، أصبح اليوم واقع معاش وحاضر في يومياتنا، حيث عرفت الجزائر ارتفاعا محسوسا في نسبة الإصابة بالأورام الخبيثة خلال العشريتين الأخيرتين، وقد تم تسجيل أكثر من 44 ألف حالة جديدة منذ بداية 2013 ويرتقب أن يعرف هذا الرقم ارتفاعا خلال العقد القادم حسب ما أكده مختصون الذين أرجعوا ذلك لعدة أسباب بما فيها النظام الغذائي والانتشار السريع للفيروسات.

 

أمال مهيس

المرض لم يرحم لا صغيرا ولا كبيرا، لا امرأة ولا رجل، إذ أن نسبة انشار السرطان بين الأطفال بلغت 5 بالمائة – حسب آخر الإحصائيات-، إضافة إلى ما يفعله سرطان الثدي بالنساء، وسرطان الرئة بالنسبة للرجال، اللذان لا يزالان يحتلان مقدمة أنواع السرطان المنتشرة ببلادنا ويتبعهما سرطان البروستات بالنسبة للرجال، كما سجلت زيادة ملحوظة في حالات سرطان عنق الرحم والمبيض بالنسبة للنساء وظهرت إصابات كثيرة بسرطان الجهاز الهضمي خاصة سرطان القولون والمستقيم وهذا يعود إلى تغير النظام الغذائي لدى المواطنين، الذين أصبحت أغذيتهم غنية أكثر فأكثر باللحوم الحمراء، علما أن بلادنا تسجل إصابة 1500 طفل بالسرطان أي حوالي 5 بالمائة من حالات السرطان الجديدة المسجلة سنويا وهؤلاء من ثمار زواج الأقارب، أما سرطان الثدي فقد كشف رئيس مصلحة أمراض الثدي بالمؤسسة الإستشفائية المتخصصة في مكافحة السرطان بيار وماري كوري الأستاذ أحمد بن ديب أن 12 بالمائة من المصابات بسرطان الثدي بالجزائر تقل أعمارهن عن 35.

وللوقوف على حجم معاناة هذه الفئة زارت “المقام” مركز المعالجة للسرطان بالأشعة على مستوى العاصمة بمحاذاة المستشفى الجامعي لمصطفى باشا.

 

*Radiothérapie: مواعيد محجوزة إلى غاية بداية2015 

خلال جولتنا في المركز، لاحظنا العدد الهائل من المرضى وعندما حاولنا التحدث مع الأطباء تجنبوا الحديث معنا وهناك من حاول طردنا بحجة عدم حيازتنا لتصريح من الوزارة، إلى أن التقينا بطبيب رفض ذكر اسمه قال أنه “ضاق ذرعا بما يشاهده كل يوم على مستوى المركز”، وأكد أن مرضى السرطان الذين يحتاجون لمعالجة بالأشعة، مجبرون على الانتظار إلى غاية بداية 2015 للظفر بموعد، بحجة كثرة المواعيد. وأضاف في السياق ذاته “الأولوية لا تكون بحسب درجة خطورة المرض وتطوره ولا حتى حسب أسبقية التسجيل، ولكن على أساس من يعرف من مسؤولين وطاقم طبي” فصاحب “المعريفة” –يقول محدثنا-يستطيع بدء العلاج في أقل من 15 يوما على الأكثر، بينما المرضى الآخرون مضطرون لانتظار موعدهم بعد ربما أزيد من سنة، وفي كثير من الأحيان يكون المعني قد لقي حتفه قبل “الموعد المزعوم”. ولشرح خطورة الوضع، أوضح المصدر الطبي أن الغاية من المعالجة بالأشعة لمرض السرطان هي قتل الخلايا السرطانية وتقليص حجم الأورام، إذ يتم قتل الخلايا السرطانية التي تؤذي الخلايا الطبيعية في أغلب الأحيان إذا أسيء استعمالها، لكن الخلايا الطبيعية تشفى عادة فيما بعد. والإشعاع هو نوع من الطاقة المتحررة على شكل جزيئات أو أمواج، وإن الجرعات العالية من الإشعاع قادرة على تدمير الخلايا أو منعها من التكاثر، ويصدر الإشعاع الخارجي المستخدم في معالجة السرطان من آلات خاصة، أو من مواد داخلية نشطة إشعاعياً يضعها الطبيب في الجسم، ويستخدم الإشعاع أحياناً مع المعالجات الأخرى مثل الكيمياوية، حيث يحتاج المريض من 20 إلى 25 حصة لإكمال العلاج، وفي كثير من الأحيان يستخدم العلاج الاشعاعي بعد التدخل الجراحي، للتخلص من الخلايا السرطانية المتبقية المحتملة، “لذا فالتأخر عن البدء بالمعالجة تؤدي إلى استفحال المرض واستحالة معالجته فيما بعد، وبالتالي الموت المحتم”.

 

* “المعريفة” تغزو العيادات الخاصة

 

وفيما يخص العيادات الخاصة، الأمر لا يختلف كثيرا عن المؤسسات الاستشفائية العمومية، أين أكد مصدرنا أن استحالة الظفر بموعد قريب للمعالجة بالأشعة في المراكز التابعة للدولة، جعلت المواطن يلجأ للعيادات الخاصة للإسراع في بدء العلاج ومنع انتشار المرض، وهو الشيء الذي زاد من غرور أصحابها، وتابع “أصبحنا في وقت لا تشفع حتى الأموال للمريض، فالمواعيد محجوزة هي الأخرى بمعدل الشهرين إلى ثلاثة أشهر على الأقل، ورغم أن المريض يدفع ما قيمته مليون سنتيم في الحصة الواحدة، وحاجة العلاج لأكثر من 20، إلا أن كل هذا لا معنى له عند أطباء تجردوا من مهنيتهم وإنسانيتهم”، مؤكدا في هذا الإطار، أن الأطباء المختصين يوجهون مرضاهم لعياداتهم الخاصة أو عيادات أصدقائهم، و”حولوا المهنة إلى تجارة بالدرجة الأولى رغم توفر المستشفى العمومي على أجهزة أكثر تطورا من تلك الموجودة على مستوى عياداتهم”.

 

*دوية

 

 

 

كبار السن يحتم عليهم الموت في بيوتهم بين ذويهم

 

بكل حسرة عبر مصدرنا عن امتعاضه الشديد من الطريقة التي يعامل بها كبار السن المصابون بهذا الداء الخطير، حيث أشار في هذا الصدد إلى أن “الطبيب أصبح يحكم بالموت على المرضى كبار السن”، ففي كثير من الأحيان يمتنعون عن إجراء خطوات العلاج، وإن حدث لا يوجهونه إلى المعالجة بالأشعة أو حتى  الكيمياوية، بحجة أن المريض كبير في السن ولا يتحمل العلاج، في حين أن الحقيقة غير ذلك ويحكمون عليه بالموت المبكر، “وبكل برودة يقولون لأهله اتركوه يموت في البيت بين أولاده دون المبادرة بأي محاولة لإنقاذه، بينما نجد الأطباء في الخارج يستعملون كل أنواع العلاج ويسعون بكل ما لديهم من إمكانيات من أجل إنقاذ المريض إلى آخر لحظة من حياته.

 

*العناية النفسية بمرضى السرطان في الجزائر منعدمة

 

يعامل مريض السرطان في الجزائر كأي مريض آخر ولا تؤخذ حالته بجدية، وأكد مصدر لـ “المقام”، أن الحالة النفسية لمريض السرطان في الجزائر في الحضيض، فالمصاب بهذا الداء يموت بحسرته قبل بدء العلاج، في الوقت الذي يجب أن يحظى بعناية صحية ونفسية جد خاصة، “نجد أن الجانب النفسي آخر هم الأطباء”، مؤكدا في السياق ذاته، “أصبح من الثابت علمياً أن الحالة النفسية لمريض السرطان من أهم مقومات شفائه ونجاح علاجه، وأن إرادة الشفاء بداخله هي العامل الأساسي الذي يحفز الجهاز المناعي بداخله لكي يتصدى ويقضي على هذا المرض اللعين، فإحساسه بالهزيمة، واليأس من الشفاء يؤثر بالسلب على الجهاز العصبي المركزي وخاصة منطقة ما تحت المهاد، التي ترسل وتستقبل إشارات دائمة إلى الجهاز المناعي عن طريق أسطول من الهرمونات التي تسمى بهرمونات الانفعال والتوتر، فتؤثر بالسلب على أسلحة المناعة الأساسية التي تقاوم السرطان من مجموعة السيتوكاينز، وإنترليوكين –2، وانترفيون، وعامل تليف الأورام TNF“. ومن هنا يوضح محدثنا، أن مرضى السرطان في الجزائر لا يستجيبون في الكثير من الأحيان مع العلاج والأدوية نظرا لتدمر الحالة النفسية لهم وفقدان الأمل من الشفاء، مضيفا، “مريض السرطان بالجزائر لا يعلم في كثير من الأحيان حتى ما هو مرضه بالتدقيق، وذلك بسبب غياب لغة الحوار بينه وبين طبيبه، هذا الأخير الذي يتجاهل وضع المريض في الصورة. وتوجيهه للإشعاعات والأدوية يجعله يتنبأ بإصابته بالمرض وتبدأ رحلة العذاب وفقدان الأمل في الوقت الذي تكون فيه حالته ربما قابلة للشفاء”. 

 

*.. تحولوا”لحقل تجارب” للأطباء المقيمين

 

كشف مصدرنا عن “جريمة حقيقية” تحدث يوميا داخل مستشفياتنا، وهي السماح للأطباء المقيمين بإجراء العمليات الجراحية حتى الخطيرة منها بدون حضور طبيب مختص، الذي يشرف على العملية، خاصة في حال تأزم الوضع إجباريا. كاشفا في هذا الإطار أن الكثير من المرضى تحولوا لفئران تجارب بين أيدي الطلبة المقيمين الذين يدرسون في السنوات الثلاثة الأولى من التخصص، والأخطر من ذلك كله – يضيف محدثنا- العمليات الجراحية أصبحت أيضا بـ”الوجوه”، إذ يتكفل أطباء مختصون متمرسون بمرضى المعريفة شخصيا وهذا باستعمال آخر التكنولوجيات دون ترك أي أثر لموضع العملية، خاصة فيما يتعلق بسرطان الثدي أو المناطق المكشوفة من الجسم، في حين المرضى “الزاوالية” يحالون إلى الأطباء المقيمين منعدمي الخبرة، وحتى لو تكرم طبيب مختص وأشرف على العملية تجده لا يهتم بالناحية الجمالية “إلا من رحم ربي”.

 

*انجاز9 مستشفيات جديدة بمواصفات قديمة”لا معنى له”

 

انتقد جل الأطباء الذين التقت بهم “المقام”، على مستوى مستشفى مصطفى باشا، قرار الحكومة القاضي بإنشاء 09 مستشفيات جديدة على مستوى 09 ولايات، وأكد هؤلاء أن الجزائر تحتاج إلى”النوعية وليس إلى الكمية”، وقالوا في هذا الصدد”انجاز مستشفى لقطاع الصحة في الجزائر بنفس مواصفات مستشفياتنا في الوقت الراهن كلام لا معنى له، كان الأجدر بالحكومة أن تقف على الوضع داخل المستشفيات المتوفرة قبل اللجوء إلى هذا القرار”. وأضاف مختص في القسم التقني قائلا ” تتوفر مستشفيات الجزائر على غرار المستشفى الجامعي مصطفى باشا أو بني مسوس بالعاصمة، على أجهزة جد متطورة مستوردة من الخارج وكلفت الخزينة العمومية آلاف الدولارات، ولكن المشكل يكمن في كون المسؤولين يمتنعون عن استغلالها لحسابات شخصية”. وفي الكثير من الأحيان يرجع ذلك لغياب الإطارات المتخصصة لتشغيلها. كما انتقد هذا المختص الطريقة التي يعتمدها المسؤولين في هذا المجال، حيث أكد أن البعثات التي من المفروض ان تخصص لإطارات معينة من أجل تكوينهم في الخارج على الآلات والأجهزة المستوردة وأيضا الوقوف على آخر التطورات الحاصلة، نجدها هي الأخرى تحول  لأصحاب”المعريفة”، وفي الكثير من الأحيان لا علاقة لهم بالمجال، وتابع، “شهدنا على عدة حالات تحولت فيها منحة التكوين في الخارج، إلى رحلت استجمام لأصحاب السلطة، وبهذا تظل أجهزة متطورة ومتخصصة مركونة جانبا دون أن تجد من يستغلها”.

 

*23 مليار دينار لم تكف لمعالجة السرطان خلال سنة

 

بلغت تكلفة معالجة داء السرطان بمختلف أنواعه في الجزائر، خلال 2012، ما قيمته23 مليار دينار. وبهذا تكون فاتورة معالجة هذا الداء زادت بمقدار الضعف تقريبا مقارنة بالسنة المنصرمة، بعدما كانت قبل سنوات في حدود 11 مليار دينار فقط. وأكدت مصادر طبية أن الجزائري بعيد عن استهلاك الفرد الأوربي وبكثير، حيث يستهلك الجزائري ما بين 45 إلى 50 دولارا سنويا، بينما يستهلك الأوربيون ما قيمته 400 دولار سنويا. وفي انتظار التفات السلطات لهذه الشريحة يبقى مريض السرطان ببلادنا يعاني في صمت، ويموت بحسرته ألف مرة قبل أن يحين أجله.