معريفة   فيروس الوساطة ينتشر كالطاعون

               الواسطة ديرا حالة والزاوالي حالته حالة!!!   

ظاهرة “المعريفة” بسطت جناحها بقوة في المؤسسات العمومية، المستشفيات والصيدليات، ناهيك عن الجامعات فيلم سينمائي مطول حلاقاته غير منتهية، بل قل دراما حزينة يعيشها شباب اليوم بكل مأساة ومعانات يومية، “الواسطة” هذه الظاهرة القابعة في أوساط المجتمع الجزائري باتت طوقا خانقا يشد الرقاب فمن كان له من الأقارب مديرا أو مسؤولا أو وزيرا أو ذو نفوذ اجتماعي “فراها”، والفقير الزاوالي “يسنا الدالة إلى صحتلو كاش نهار”.

 

إكرام رايس (م. ص)

مبدأ تكافؤ الفرص بقي في كتاب”كارل ماركس” لتخرج حقيقة أخرى من كتب أخرى لتوصل إلى النهايات بدون مدارج، وترجع آخرين غير مقبولين رغم جدارتهم وكفاءتهم، ولنا أن نتصور حالات القهر والاستلاب وأثارها على النفوس والقلوب.

“المقام”، بغية الاستفسار أكثر حول هذه الظاهرة قامت بجولة بأنحاء العاصمة لتأخذ نظرة على خلفية الموضوع وتحاول نقل وجهات نظر المواطنين للمسؤولين.

للظفر بوظيفة “لازم معريفة ولا روح تروح يا لعيفة”

عمر، شاب جزائري يبلغ من العمر 28 سنة، عاطل عن العمل، صرح لـ”المقام” قائلا: “أملك شهادات عليا ورغم امتلكي لهذه الشهادات لم أتمكن من الظفر بوظيفة، والسبب في ذلك دائما الواسطة والله أن هذه الأخيرة نخرت عظامي فكلما تقدمت لإجراء مسابقة من المسابقات التي تنظمها الدولة لا أجد اسمي في لائحة الناجحين، وذلك لأن هذه الأخيرة ترتبط حتما بالواسطة، إن صح القول قائمة الناجحين تكون محضرة مسبقا فمن له من الأقارب مسؤولا فقد ضمن عمله، أما الزاوالي “لي كي حالتي” فلا أمل له في العمل إلا كخضار أو نادل… فمن يساندنا نحن زواولة.

كان أحد البوابين سببا في قبولي بأحد الشركات للتربص

كريمة من الجزائر العاصمة، وفي نفس السياق روت لنا قصتها: “كنت في السنة الثالثة من التعليم الجامعي وفي هذه السنة بالذات كان يجب عليّ إجراء تربص ميداني ليرفق هذا الأخير بملف تخرجي من الجامعة، فبدأت أبحث عن المؤسسات التي بإمكانها استقبالي غير أنني قد تفاجأت برفض كل المدراء لي، أين اصطدمت بإحدى الظواهر والتي تعرف “بالواسطة”، وكنت في كل مرة أقصد فيها مؤسسة تواجهني هذه العقبة إلا أن جاء يوم وأنا أتذكره جيدا وهو يوم الخميس قصدت فيه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، حيث كان أحد حراس الباب واقفا هناك يؤدي مهامه، فسألني ماذا تريدين؟، قصصت عليه  كل ما حدث معي ما جعله يتعاطف معي وأخبرني أن أنتظر بعض الدقائق، حيث دخل ثم عاد ليخبرني أن المدير بانتظاري، بدت عليّ ملامح السعادة وهممت بالدخول معه حيث أكد لرئيسه بأني إحدى قريباته، فاستقبلني استقبالا رائعا ولم أكد أنهي طلبي المتمثل في التربص لديهم حتى أعطاني قرار القبول، سعدت بما حصل معي لكني بنفس الوقت عرفت قيمة الواسطة في الجزائر.

ولم تسلم المستشفيات والصيدليات منها..

وفي بلد استوطنت فيه الواسطة في كل زاوية وخرمت كل وزارة، فقد بات ذلك جليا وواضحا في وزارة الصحة، فكثيرون هم المرضى الجزائريون الذين  يشتكون من أن الأسبقية  في المستشفيات من حيث المواعيد والعلاجات تكون لأصحاب المعرفة والوساطة، هذا ما أكده لنا عمر عن استفحال الظاهرة وما حدث معه قائلا: “لديّ “معريفة” في المستشفي فقريبي (س.ج) يعمل هنالك طبيب أمراض قلبية، وهو من حدد لي موعدا في اليوم الفلاني وبالفعل إثر وصولي للمستشفي لم أفهم شيء كان هنالك جمع غفير من المرضى ينتظرون دورهم، منهم من كان في حالة لا بأس بها والآخر ينظر إلى الساعة ويستغفر، المهم الكل كان يترقب دوره، حين أخذت هاتفي واتصلت بقريبي ولبرهة فقط رأيته يخرج مسرعا لاستقبالي بابتسامة عريضة على وجهه، أخد يسأل عني وعن أحوالي وعن عائلتي الكريمة أدخلني إلى غرفة واسعة قام بالإجراءات اللازمة للعلاج وفي كل مرة يقول لي: “خوذ راحتك”، استغرق الأمر معي حوالي ثلاثة ساعات تقريبا، وزملاءه في العمل اللذين كانوا بدورهم يتذمرون من الكم الهائل من المرضى المجودين في القاعة وعند انتهائي من إتمام الفحوصات، خرجت لأجد الصالة ممتلئة والناس المساكين متذمرين من الوضع، حينها فقط أدركت أن “المعريفة” توازي الباسبور الأحمر في بلادنا فمن ليس لديه معرفة “يروح يموت”.

وتؤكد لنا ناريمان حقيقة أخرى غير بعيدة عن التي أدلى بها عمر، مستهلة كلمها: “هذه حقيقة لا يمكننا بأي حال من الأحوال تجاهلها، بل نراها جلية واضحة في كل المستشفيات العامة والخاصة، وهذا عبارة عن سلوك بشري طبيعي في أي مكان يعاني من غياب النظام وحسن التسيير، فتحل الوساطة والخدمات الشخصية مكان العمل المنظم، حقيقة من الظلم أن نفرق بين مريض وآخر، لأن المرض لا يعرف الجنسية أو الدين أو اللون والمريض يحتاج إلى العناية ذاتها من أي طبيب كان، ولكن السؤال هل هناك نظام عمل يحفظ للمرضى الجزائريين حقوقهم في الحصول على عناية صحية كاملة في بلدهم الثري والغني الذي يفترض ألا يحتاجوا فيه إلى التنقل إلى أي بلد آخر، بحثا عن العلاج المطلوب؟ هل يلقون الاهتمام المطلوب كغيرهم من المرضى، في ظل تفشي الواسطات كل حسب جيبه؟ بالإضافة إلى سوء المعاملة التي يتلقاها المريض من صراخ في وجهه، هذا ما قالته السيدة نجاة عن المعاملة السيئة التي تلقتها في المستشفى إثر ولادتها لابنتها “أمينة”، حيث أخذت الممرضة تسب فيها وتشتمها قائلة: “أنت أولدي ونحن نتعذبوا معاك، علاش تنوظيني فهاد الوقت ياخي وجه شر”، رغم أن هذا عملها. وفي نفس السياق أكدت  إحدى العجائز لـ”المقام”، أن المواعيد تأخذ وقتا طويلا فيما تحتاج هي تحتاج إلى عملية زرع القرنية بحيث ضرب لها الطبيب المشرف على حالتها موعدا إلا أنه قام بتغير الموعد وبحجة تافهة، وتضيف قائلة: “لقد أعطوا الموعد للمعريفة أما عني فقد قالوا لي “اصبري حتى تجي دالتك”، يعني “أبقاي حتى يجي الفاس في الراس”.

ومن جهة أخرى، الصيدليات لا تختلف كثيرا عن المستشفيات، فالصيدلي اليوم بات يستغل حاجة الناس المرضى اللذين يحتاجون إلى أدوية قد تكون في العديد من الأحيان مستوردة من الخارج، ليبيعها فيما بعد حسب مراقه وحسب من يدفع أكثر من جيبه، أما المسكين الزاوالي فينصحه بمعرفة مضيفة طيران تستطيع أن تجلب له الدواء الذي هو في حاجة له، وإلا سيموت.

 والغريب أن المواطن الجزائري اليوم أصبح يقيس مدى قيمته في وطنه من خلال الوساطة في حالات ما إذا اعتلاه المرض أو أراد أن يعمل..، ويبقى السؤال يطرح نفسه لماذا المعريفة  تبع ديما لي لباس عليهم؟

ولأن قلة الوازع الديني غابت كثيرا عنا، ارتأت “المقام”، أن تبحث في الموضوع من الناحبة الدينية 

فتوصلت حسب ما فنده أستاذ الشريعة والقانون “فتحي ناجي” أن الأصل في الوساطة الجواز، بل هي من الأمور الخيرية التي أمر الشارع بها ورغب فيها، قال صلى الله عليه وسلم: “اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء” متفق عليه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته” متفق عليه.

وتحرم الوساطة إذا ترتب عليها ما يجعلها حراما كأن يترتب عليها إحقاق باطل، أو إبطال حق أو نحو ذلك.

وبناء على هذا نقول: إن وساطة أخيك إذا كنت تنال بها حقك، ولا يحرم بها من هو أحق بالوظيفة منك، فإنه لا يكون فيها من حرج، وإن اختل شيء من ذلك كانت ظلما ولم يجز فعلها.

ولعلم الاجتماع نظرة

هذا ما أكدته “سعيدة حبذه”، مرددة: “أن موضوع المحسوبية حساس جدا ولم يتم التطرّق له سابقا من الجانب النفسي ولم يتم التكلم عنه لسببين التهميش وعدم تفشيه بهذا القدر الذي عرفه اليوم، وتعتبره ذات المتحدثة ظاهرة خطيرة تأثر على الشخص نفسيا وأول أعراضها هو الإحباط النفسي، الذي يدفع بالفرد إلى  حالة من التأزم تنشأ من مواجهته لعائق يحول دون إشباع دافع أو حاجة ملحة أو تحقيق هدف محدد، والإحباط قد يصيب الفرد كما يصيب الجماعات، فمثلا هذا الأمر يحصل لذوي الشهادات اثر بدلهم لمجهود فكري ومادي ليصل إلى مستوى معين وبمجرد حصوله على الشهادة يتحصل على منصب عمل أو المنصب الملائم مع شهادته، أما في حالة ما إذا حدث العكس فإن هذا الشخص يصاب بحالة إحباط نفسي، بالإضافة إلى ذلك الإنسان يمتلك شحنة إيجابية يريد أن يعبّر عنها في دائرة تخصصه، بالإضافة إلى عامل آخر يدخل في الجانب النفسي وهو عدم إرضاء الذات وهي طبيعة إنسانية فكل شخص يسعي إلى تحقيق ذاته من خلال تميزه و نجاحه وذلك إرضاء لنفسه باعتبار أن هذا الأخير طموح، وأخيرا يأتي الاضطراب النفسي في شخصية الإنسان ليصبح بعدها غير متوازن نفسيا، وهذا قد يؤدي بالفرد إلى عنصر آخر وهو رفض الذات وكل هذه الظروف السلبية تجعل من الشخص مهمش غير مرغوب فيه في المجتمع.