kabyleنواصل في هذه الصفحة الأسبوعية طرح قصص مترجمة من مجموعة مولود فرعون القصصية “يوميات القبائل” والتي عمل على ترجمتها الكاتب العيد دوان، والتي ننشرها بشكل حصري في يومية “المقام”.

 قصة:مولود فرعون

ترجمة: العيد دوان

بعض الناس ينصحوننا بألا نتخلف عن السوق. فلا بأس أن نسمح لأنفسنا ببعض الراحة

ونتسلى بعض الوقت! مرّة في الأسبوع على الأقل..

والتسلية فممكنة فعلا، أما الراحة فمسألة فيها نظر. وسوقنا لحسن الحظ، ليس بعيدا؛ ستة

كيلومترات ذهابا وستة إيابا، دون أن نتحسب الساعات التي نقضيها في التنقل بين أروقة

السوق. نعم، هناك من يعتبر هذه راحة! ذلك أنهم يتعبون أقل من لو كانوا أثناء قيامهم

بأعمالهم اليومية. ومع ذلك، فالراحة الأسبوعية لها مساوئها.

والذهاب إلى السوق في سياق ما، شيء ممتع، بل مفيد ويعلمنا الكثير. ففي السوق نشعر بأننا

خارج قوقعتنا وأننا في عالم واسع الأرجاء. بينما في القرية، لا ندري ولا نعلم شيئا. في

القرية، غالبا ندور في حلقة مفرغة ونتحدث عن أشياء تافهة لا قيمة لها. وقد نتشاجر لأتفه

الأسباب ونبالغ في الاهتمام بأنفسنا كما نهتم كثيرا بجيراننا.

ما أن نضع أرجلنا في الطريق، يتوقف الهذيان والكلام الفارغ. ترى الناس يأتون من كل حدب وصوب، يصدون السوق. تمتلئ كل الدروب بالقرويين وكلها تصب في الطريق العمومي. وتتعقب الجماعات أو تلتقي أو تتجاوز بعضها بعضا. منهم من يأتون راجلين أو

يمتطون حمارا أو بغلة، ومنهم من يأتون على سيارات الأجرة أو الشاحنات أو الحافلات.

ومنهم من لا يحمل شيئا أو يحمل على ظهره أو على ظهر دابة. الجميع مشغولون بأمر ما؛

هذا يجر بقرة وذاك يسوق قطيعا من الخرفان تبدو نحيفة وهي تدق الطريق دقا، مخلفة

وراءها سحابة من الغبار. والطريق يزخر بوجوه متنوعة وقامات متفاوتة وهيئات وألبسة مختلفة ومتباينة. إنه عالم حقيقي يمكّن المرء من رؤية نفسه بعينين متواضعتين، فيضطر إلى مقارنة نفسه بغيره، بلا مجاملة، ويشعر بأنه رجل بين الرجال. ثم مهما كان عمره وضخامة جسمه وحالته، يشعر أنه صاحب هيئة حسنة. يرى أهل قريته وأهالي القرى المجاورة والقبائل الأخرى من خلال نافذة واحدة. والذين يعرفهم، يخيّل إليه أنهم قد تغيروا كلية. والذين كان يراهم في المقام الأعلى، يراهم فجأة غير ذي شان، وآخرون بالعكس، يفاجئونه بقيمتهم العالية خارج محيط أهاليهم. كل هذا يتبادر إلى الأذهان دون أن نفكر فيه، فيحوم في الهواء محدثا جوا نشعر به ونحن نهرول إلى السوق. أما القرية والمنزل والعائلة، فلا ننساها ولكنها تبقى وراء لوحة مرقشة تمثل صورة المجتمع.

والذي لم يتعود على العيش وسط الناس، يبدو له السوق مشهدا مبهرا وعسيرا في نفس الوقت. فكلنا نقبل التنازلات ونشعر بالوحدة والضعف. وكل الذين يدفعونك إنما هم مثلك، يشعرون بالوحدة والضعف، بل نحن جميعا، نمثل جزءا من وغد عجيب يقبض عليك مطولا؛ يفصل لك وجها جديدا وينفخ فيك روحا جديدة ويدمجك في كلّ متكامل عجيب، يستحيل فيه الانفصام.
وهنا تساورني حكاية بائع الحبوب.

كان على ما يبدو، صاحب جسد ضخم؛ أمي لا يعرف القراءة ومتواضع، وكان همه أن يبيع حبوبه، غير آبه بقوته. ذات يوم، جاءه زبون عملاق مثله، يريد أن يشتري قمحه، ويعارضه، بالمناسبة.
ملأ الزبون قبضة يده بالحبوب وأخذ يحك حبات القمح بأصابعه، حتى حولها إلى طحين وهو يستعرض عضلاته، وقال له:

-قمحك ليس جيدا. فرد عليه في هدوء:

-السوق واسع وعريض وبإمكانك أن تختار ما تشاء. فأجاب:

أعرف ذلك. أريد كيلين من قمحك هذا. فرد قائلا في هدوء:

– ما أنا إلا تاجر. سأوفر لك ما تريد، وأنت ما عليك إلا أن تدفع الثمن.

هكذا قدم التاجر السلعة للزبون في هدوء. وعندما سدد هذا الأخير ما عليه نقدا بالدورو*،

أعاد النقود للزبون واحتفظ بقطعة واحدة وضعها بين أصابعه، وقال له، دائما في هدوء:

-أنا أفضّل الورق. خذ نقودك، إنها غير صالحة. انظر!

لوى التاجر القطعة ثم كورها ورماها في وجهه وقال له مهددا هذه المرة:

-عليك بدفع الثمن وبلا ضجيج ! أريد ورقا.

وما كان من الآخر إلا أن دفع الثمن ورقا، وقد ضيّع قطعة دورو كما ضيع كبرياءه أما الملأ.

والذين لم يشهدوا سوق الثلاثاء، يمكنهم أن يتخيلوه كما يشاءون؛ لن يصلوا إلى إدراك حقيقته؛ فلا يكفي أن يوصف بالعريض والشاسع، وإنه يستقبل كثيرا من الناس. يجب أن تقودهم وسط تلك الفوضى العارمة وتجعلهم يقطعون غوغاء لا يمكن تصوره ثم تسمعه خليطا عجيبا من الأصوات والصيحات والضوضاء. فالوصف شيء والمشاهدة شيء آخر؛ سوقنا لا يكفي أن تسمع عنه، يجب أن تراه!

وقد كان في القديم فوق هضبة. حوله أشجار عريقة من البلوط، تضرب بضلالها وتمد أغصانها لاستلام أشياء مختلفة: بدءا بالأحشاء المتقاطرة بمياه خضراء وقطع اللحم الدامية، إلى أكاليل من البصل وأقمشة الحرير اللامعة. أما اليوم فأشجار البلوط تكاد تنقرض. والتي مازالت على قيد الحياة، تم قطعها بشكل مروع، وأصبحت لا تثير الأنظار وأحجمت عن تقديم أية خدمة كما في الماضي.

وكان السوق في القديم، يحتوي على بناية واحدة من الطوب، تتكون من: مكتب القياد، يتوجه إليه الحكام والدرك أحيانا، وبه مكتب القاضي الذي يتردد عليه المرابون والعجائز واليتامى وحتى البراح. حول البناية، أكواخ من القش يحتله بعض تجار المواد الغذائية والتوابل، بضعة ساعات في الأسبوع. وهناك حاليا، طريق معبد يمتد إلى أسفل الهضبة، وهو تابع للسوق. كما هناك زقاق مستقيم شيدت على جانبيه بنايات تكاد تتعانق شرفاتها. وبقي أعلى الهضبة شاغرا، يحتفظ ببنايته المندثرة، وأشجار البلوط الأربعة كأنها تستغيث، بعد أن تحولت إلى مربط للحمير والبغال.

نجد تحت كل شجرة حدادا وسط الأكياس وأمتعة متنوعة، بيده قطعة من حديد. والحمير والبغال متناثرة هنا وهناك؛ عندما يكون الطقس صحوا، بعضها تشم بعضا وتتعانق كأنها تسر إلى بعضها، وأحيانا تركض وتفرقع. وإذا كانت السماء ممطرة، تراها كئيبة وآذانها مسدولة. أما إذا كان الجو حارا، فيغشاها النعاس وهي واقفة وآذانها منتصبة وعيونها شبه مغلقة؛ آذانها في ذهاب وإياب كأنها الميزان.

والحدادون يعيشون وسط زبائنهم من الدواب التي يعرفونها جيدا. نظرة واحدة منهم تكفي كي تفهم الدابة، فتصبح وديعة بسرعة البرق. ويقوم المساعد بمسك رجلها ثم يطبقها على ركبته. ويشرع الخبير في نزع الصفيحة القديمة من رجلها ثم يقوم بنجر حافرها ويقيس الصفيحة الجديدة شيئا فشيئا ثم يسمرها بكل قوة. كل ذلك في ربع ساعة، ثم يغادر زبونه مندهشا وهو يعرج قليلا بسبب حذائه الجديد. ومن الدواب ما لا تتحمل الصفائح. في هذه الحالة، يضطر حدادنا إلى استنفار المتفرجين الذين يمسكون الدابة فينهى عمله مطمئنا ولا يبالي بعنجهية زبونه العنيد.

ولا تستقر الأنظار من بعيد على أعلى الهضبة. فالسوق أسفلها يشبه بقعة بيضاء تتحرك داخل إطار أخضر. يبدو المنظر من بعيد، جميلا يمتع العيون ويريح الآذان. ذلك أن المكان عظيم ويمتاز بالحيوية. والجو يسوده طنين متواصل يذكرنا بالنحل المتشردة، ولكنه أكثر عمقا ورحابة وأكثر عجبا. وأحيانا، أثناء المناسبات، تضل بعض الحيوانات طريقها فترى الجزارين يتسلّقون الهضبة، يزرعون الرعب في قلوبها. وترى العقبان تحوم حول الهضبة التي تبدو كأن فوقها غطاء هائج أشعث ذو خرير عجيب، أحيانا، يسمح بمرور خوار الثيران أثناء نحرها، ونهيق حمار يظن نفسه ماكرا، إلى جانب أصوات الغنم والماعز، ومنبهات السيارات والمفرقعات. من حين لآخر، تسمع صوتا آدميا غريبا يهيمن على الضوضاء، كأنه يصدر الأوامر لتهذيب ذلك الضجيج.

في الظروف العادية، يقل الضجيج وينقص عدد الوافدين. إلا أن الفوضى تبقى سيدة الموقف، والناس يتحركون وسطها براحة كبيرة، لأن سوقنا مصمم بشكل جيد. فهو يشمل الشارع بمحلاته، إضافة إلى الساحة والمذبح وغلمانه السود؛ ثلاثة أماكن، يجب أن نزورها واحدا بعد آخر.
لنتصور معا نصف شارع برصيفه ! من جهة الهضبة هناك الشارع بعماراته العالية المرصوفة والمشيدة بشكل جيد. ومن الجهة الأخرى، لا يوجد إلا سياج وحقول من أشجار التين تميل بهدوء نحو الوادي.

ولقد خصص الجزء الأول من هذا الشارع لتوقف السيارات وللدكاكين التي يترصد فيها أصحابها الزبائن. وهناك مقاه شعبية ومطاعم في الهواء الطلق. ثم يفقد الشارع رصيفه ليصبح طريقا. أما في الجهة العليا، فهناك الساحة الكبرى التي تشبه ظهر حبة البطيخ؛ في الجهة السفلى، عشرات المشانق في أرضية منحدرة، تمثل حدود المذبح والمجازر الأسبوعية.

والتجار يفتحون محلاتهم ويمكثون بداخلها. يستقبلون الناس بالابتسامة ويحيونهم من بعيد. يسعون إلى معرفة الجميع. ولجلب الزبائن، يستعملون طريقة خاصة؛ يبادرون إلى الترحيب به بذكر اسمه. فهم يعرفون أن ذلك يدغدغ عاطفة الفلاح الذي يسره أن يكون معروفا خارج قريته. عندئذ، يدخل هذا الأخير ويتعمد الليونة مجاملة. فهو يعرف على سبيل المثال، أن القهوة والسكر والصابون والكبريت وأشياء أخرى، متوفرة في قريته، بيد أن التاجر يخفض السعر شيئا ما ويبتسم كثيرا. أما دكان القرية فيتركه لوقت الشدة أي للاقتراض.
والسوق الحقيقي لا يكمن في هذه الدكاكين المشابهة لتلك التي نجدها في القرى أو حتى في المدن. إنما السوق، أن نذهب إلى الساحة العامة أو البطحاء، التي يحبها الفلاحون. إهم، نادرا ما يذهبون هناك من أجل الإنفاق، ولكنهم غالبا ما يكسبون الكثير. فهم يبيعون – حسب الفصول – العنب والرمان والبرتقال والأجاص، وهي فواكه تأتي من منطقتنا، وتباع بأثمان زهيدة. وهناك الخضار للأغنياء، الذين يتنافسون على الجزر والفاصوليا الخضراء وأشياء أخرى واهية. والفلاحون يتركونهم يفعلون، لأنهم هنا من أجل بيع سلعهم. يبيعون البصل ومختلف نقلات السلاطة والطماطم وغيرها.. تراهم جالسين على الأكياس أو البرانس وراء كوماتهم، والناس يروحون ويغدون.

في الجهة العليا لسوق الخضر والفواكه، نجد باعة الشواري ومختلف الأكياس، إلى جانب الزرابي والأفرشة، ومختلف الأدوات والأواني القديمة قرب اللحام وصانع الغرابيل. وبين التجار والحرفيين، نجد بعض الصبيان بأيديهم الحمام أو الدجاج. بجانب الخضر والفواكه، هناك الضأن والماعز والثيران والأبقار ثم باعة الحبوب، من قمح وشعير وفول وحمص. وعلى حافة الطريق، مخابز وباعة الحلويات جنب تجار الجلود مقابل المجازر؛ جلود جديدة ملطخة بالدماء، بقرونها المثيرة للشفقة والتي سترمى للكلاب بعد قليل.

في وسط الساحة، يمكنك أن ترى الباعة والزبائن يترصد بعضهم بعضا دون نفاق. أولئك يسعون إلى التخلص من سلعهم وهؤلاء يرغبون في الاستحواذ عليها، وكلهم يشتركون في حب الربح. وهكذا يبدو الزبائن كأنهم يمزحون، والباعة كأنهم يلعبون أدوارا مسرحية دون مبالاة. وعندما ينفذ الصبر عند أحد الطرفين وتبدأ المساومة، ترى العيون مفتوحة وكل طرف يحضر نفسه للمقابلة. وفي المساء، سيفكك السوق وتفرغ الساحة ويعود الباعة والزبائن إلى ديارهم مسرورين أو غاضبين، ولكنهم مواسون، لأنهم عاشوا لحظات من الرجولة، كما تحدثوا خلالها بفظاظة ونصبوا الفخاخ وتمكنوا من تحاشي الحيل. حقيقة، ليس هناك أسهل من بيع قفة عنب أو شراء مكيالين من القمح، وهو أمر لا قيمة له عند أي كان، ولكن لنذهب لشراء بقرة أو حتى أضحية العيد! فهذا ليس بالأمر اليسير؛ السوق يزخر بالاحتيال على المغفلين، وهؤلاء في آخر المطاف، يرجعون إلى ديارهم على استحياء بسبب انخداعهم، ويتحسرون مدة أسبوع وهم يبيتون نية الثأر.